فخر الدين الرازي
200
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يكون أيضا على الضد من هذا بان يكون الدعوى رفعا و أَنْ قالُوا نصبا كقوله تعالى : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا [ البقرة : 177 ] على قراءة من رفع البر والأصل في هذا الباب انه إذا حصل بعد كلمة كان معرفتان فأنت بالخيار في رفع أيهما شئت وفي نصب الاخر كقولك كان زيد أخاك وان شئت كان زيدا أخوك . قال الزجاج : الا ان الاختيار إذا جعلنا قوله : دَعْواهُمْ في موضع / رفع ان يقول : ( فما كانت دعواهم ) فلما قال : كانَ دل على أن الدعوى في موضع نصب ويمكن ان يجاب عنه بأنه يجوز تذكير الدعوى وان كانت رفعا فتقول : كان دعواه باطلا وباطلة واللّه اعلم . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 6 إلى 7 ] فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ( 6 ) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ ( 7 ) في الآية مسائل : المسألة الأولى : في تقرير وجه النظم وجهان : الوجه الأول : انه تعالى لما امر الرسل في الآية المتقدمة بالتبليغ وامر الأمة بالقبول والمتابعة وذكر التهديد على ترك القبول والمتابعة بذكر نزول العذاب في الدنيا اتبعه بنوع آخر من التهديد وهو انه تعالى يسال الكل عن كيفية أعمالهم يوم القيامة . الوجه الثاني : انه تعالى لما قال : فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ [ الأعراف : 5 ] اتبعه بأنه لا يقع يوم القيامة الاقتصار على ما يكون منهم من الاعتراف بل ينضاف اليه انه تعالى يسال الكل عن كيفية أعمالهم وبين ان هذا السؤال لا يختص باهل العقاب بل هو عام في أهل العقاب وأهل الثواب . المسألة الثانية : الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ هم الأمة والمرسلون هم الرسل فبين تعالى انه يسال هذين الفريقين ونظير هذه الآية قوله : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [ الحجر : 92 ] . ولقائل ان يقول : المقصود من السؤال ان يخبر المسؤول عن كيفية اعماله فلما اخبر اللّه عنهم في الآية المتقدمة انهم يقرون بأنهم كانوا ظالمين فما الفائدة في ذكر هذا السؤال بعده ؟ وأيضا قال تعالى بعد هذه الآية : فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ فإذا كان يقصه عليهم بعلم فما معنى هذا السؤال . والجواب : انهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين سئلوا بعد ذلك عن سبب ذلك الظلم والتقصير والمقصود منه التقريع والتوبيخ . فان قيل : فما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير البتة ؟ قلنا : لأنهم إذا اثبتوا انه لم يصدر عنهم تقصير البتة التحق التقصير بكلية بالأمة فيتضاعف / إكرام اللّه في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار لما ثبت ان كل التقصير كان منهم . ثم قال تعالى : فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ والمراد انه تعالى يكرر ويبين للقوم ما أعلنوه وأسروه من أعمالهم وان يقص الوجوه التي لأجلها اقدموا على تلك الأعمال ثم بين تعالى انه انما يصح منه ان يقص